علي بن عبد الكافي السبكي

122

السيف الصقيل رد ابن زفيل

فصل قال : " وسادس عشرها إجماع أهل العلم ( 1 ) ابن عباس ومجاهد ومقاتل والكلبي ورفيع وأبو عبيدة والأشعري والبغوي ومالك والشافعي والنعمان ويعقوب وأحمد وابن المبارك وابن خزيمة وقال يقتل من ينكره وحكى ابن عبد البر إجماع أهل العلم أن الله فوق العرش وابن وهب وحرب الكرماني وحكى الإجماع ابن أبي زيد والكرجي التصنيف الذي شرحه وتفسير عبد بن حميد والنسائي وعثمان الدارمي وابن أصرم وعبد الله بن أحمد والأثرم ( وأبو حاتم وابنه ومحمد بن أبي شيبة ) وابن أبي داود وابن أسباط وسفيان وحماد بن زيد وحماد بن سلمة والبخاري والطبري اللالكائي الشافعي وإسماعيل التيمي والطبراني والطلمنكي والطحاوي والباقلاني

--> ( 1 ) الناظم يروي عن إمامه أحمد بن حنبل في أعلام الموقعين أن من ادعى الإجماع فهو كاذب . فكيف ساغ له أن يروي هنا الإجماع على الفوقية على خلاف البراهين العقلية والنقلية القائمة . فابن عباس ومجاهد لم يرو عنهما ما يوهم ذلك إلا أناس هلكى لا تقبل أقوالهم في حيض النساء فضلا عن المسائل الاعتقادية ، ومقاتل بن سليمان المروزي شيخ أهل التجسيم في عصره وقد أفسد جماعة من المراوزة . والكلبي هالك عند أهل النقد ، وأبو العالية رفيع الرياحي فسر الاستواء بالارتفاع ، كما ذكره ابن جرير بطريق أبي جعفر الرازي ، وهو متكلم فيه حتى عند الناظم . وروى الفريابي عن مجاهد تفسير استوى بقوله : علا بطريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه . والكلام فيهما مشهور . ولذا ذكر هذا وذاك البخاري من غير سند ، ومع ذلك أين الدلالة في هذا وذاك على الفوقية المكانية ؟ وأبو عبيدة معمر بن المثنى الشعوبي ماذا تكون قيمة كلامه في مثل هذه الأبحاث ؟ والأشعري إن كنتم تعتقدون فيه أنه قائل بالفوقية المكانية فما سبب طعن الحشوية كلهم فيه ؟ وإنما له رأيان : أحدهما عدم الخوض في الصفات مع إثبات ما ثبت في الكتاب والسنة بدون تشبيه ولا تمثيل والأخر تأويل ما يجب تأويله بما يوافق التنزيه إذا عن ضرورة " وليس في هذا ولا في ذاك القول بالفوقية المكانية ، وتأليف الإبانة كان في أوائل رجوعه عن الاعتزال لتدريج البربهاري إلى معتقد أهل السنة ، ومن ظن أنها آخر مؤلفاته فقد ظن باطلا . وفد تلاحقت أقلام الحشوية بالتصرف فيها ولا سيما بعد فتن بغداد فلا تعويل على ما فيها مما . يخالف نصوص أئمة المذهب من أصحابه وأصحاب أصحابه . وابن درباس غير مأمون في روايتها لأنه أفسده شيخه في التصوف مع تأخر طبقاته . . والبغوي الشافعي إنما نقل في تفسيره ما يروى عن مثل مقاتل بن سليمان والكلبي تعويلا على قول أهل النقد فيهما ، ودلالة على أن هذا القول قول أهل الزيغ . ومالك قائل بالاستواء بلا كيف ، وكذا الشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وابن المبارك ، وهم براء مما يوجد في روايات عبد الله ابن نافع الصائغ والعشاري والهكاري وابن أبي مريم ونعيم بن حماد والإصطخري وأمثالهم . و ( اعتقاد الشافعي ) المذكور في ثبت الكواراني كذب موضوع مروي بطريق العشاري وابن كادش ، وسيأتيان في أواخر الكتاب . وابن خزيمة على سعته في الفقه والحديث جاهل بعلم أصول الدين وقد اعترف بذلك هو نفسه كما في الأسماء والصفات للبيهقي ( ص 200 ) وكتاب التوحيد له يعده الرازي كتابا في الشرك . ويستخف عقله وفهمه في تفسير قوله تعالى ( ليس كمثله شئ ) ( الشورى : 11 ) وينقل جزءا من سخفه ويرد عليه ردا مشبعا فيجب الاطلاع عليه ، ومن الشافعية من يعد من الشافعية كل من تلقى بعض شئ من بعض الشافعية ، وهذا ليس بصواب لأن كل متأخر يأخذ عمن تقدمه على أي مذهب كان التقدم كما لا يخفى على من درس أحوال الرجال . وابن خزيمة هذا وإن تلقى بعض شئ من الزنى في شبيبته لكن لم يكن شافعيا بل ثبتت مساعدته لمحمد بن عبد الحكم في تأليفه ذلك الرد القاسي على الشافعي . وعلى فرض أنه شافعي لا محاباة في المعتقد أيا كان مذهب من زاغ عن السبيل . وهذا المسكين ممن إذا أصاب مرة في المعتقد يخطئ فيه مرات ، فليسمح لي ساداتنا العلماء أن أعجب غاية العجب من طبع مثل كتاب التوحيد هذا بين ظهرانيهم بدون أن يقوم أحد منهم بالرد عليه كما يجب . أيقظ الله أصحاب الشأن لحراسة السنة وابن خزيمة الذي يروي عنه الطحاوي غير ابن خزيمة صاحب كتاب التوحيد وليعلم ذلك . والإجماع الذي يرويه ابن عبد البر إنما يصح في العلو والفوقية بمعنى التنزه والقهر والغلبة لا بمعنى إثبات الكان له تعالى . وأبو بكر محمد بن وهب شارح رسالة ابن أبي زيد مسكين مضطرب بعيد عن مرتبة الحجة . وقد ذكرنا ما يتعلق بابن أبي زيد فيما علقناه على تبيين كذب المفتري وقد أغنانا ذلك عن تكرير الكلام . ورأي القاضي أبي بكر بن العربي فيه مدون في القواصم ، وأبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي صاحب الفصول مجسم صريح كأبي الخير يحيى العمراني ، وقد كفانا مؤنة الرد عليهما ما قاله فيهما ابن السبكي واليافعي الشافعيان . وعثمان الدارمي السجزي صاحب النقض وهو غير صاحب السند - قد سبق القول فيه ، وهو يثبت الحركة لله تعالى كحرب بن إسماعيل السيرجانى . وقد نقلت فيما كتبت على شروط الأئمة الخمسة ما قاله الحافظ الرامهرمزي في حرب السيرجاني هذا . وخشيش بن أصرم صاحب كتاب الاستقامة يعرف أهل الاستقامة مبلغ انحرافه ، ومن جملة ما هذى به قوله ؟ فإن زعمت الجهمية فمن يخلفه إذا نزل ؟ قيل لهم ؟ فمن سلفه في الأرض حين صعد ؟ ا ه‍ . ولا ينجيه من ورطته كونه من مشايخ أبي داود كما لا ينجي عمران بن حطان كونه من رجال البخاري . وعبد الله بن أحمد إذا ثبت عنه كتاب السنة المنسوب إليه فلا حب ولا كرامة . وابن أبي حاتم أقر على نفسه بأنه يجهل عالم الكلام كما في الأسماء والصفات للبيهقي ( ص 199 ) وحق مثله أن لا يخوض في أمثال هذه الباحث وأن يهجر قوله إذا خاض ، ومحمد بن أبي شيبة صاحب كتاب العرش مشبه كذاب ، ومن جملة تخريفاته في كتابه المذكور : أن الله تعالى أخبرنا أنه صار من الأرض إلى السماء ومن السماء إلى العرش فاستوى على العرش ؟ ا ه‍ تعالى الله عن تخريفات المجسمة . وابن أبي داود كفانا مؤنة الرد عليه كلام أبيه فيه . وابن أسباط لا يحتج به في الرواية فكيف يعول على مثله في الصفات . سامح الله اللالكائي والطلمنكي إسماعيل التيمي فإنهم تكلموا في غير علومهم . والباقون كلهم بخير خلا ما أدخل على ابن سلمة ولن يثبت عن هؤلاء سوى أنهم كانوا يقولون : إنه تعالى استوى على العرش بلا كيف وإنه القاهر فوق عباده بلا كيف وأين هذا مما يدعو إليه الناظم ؟ . تنبهه - روى الناظم في إعلام الموقعين عن أحمد : أن من ادعى الإجماع فهو كاذب ثم حكى هو نفسه في الكتاب نفسه في ( 1 - 56 و 114 ، 275 ، 389 ) وفي ( 2 - 33 و 48 و 53 و 241 و 290 ) وغيرها الإجماع والقول بالإجماع في مسائل عن أحمد وغيره ومثل هذا التناقض لا يصدر إلا من مثل الناظم . وذكر أيضا في عدة من كتبه في صدد الرد على من يقول بإجماع الصحابة على وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد أنه لم يرو ذلك عن عشر الصحابة بل عن عشر عشرهم بل عن عشر عشر عشرهم بل لا تطيقون أن تروه عن عشرين نفسا منهم . وهو يرمي بذلك إلى أن إجماع الصحابة لا ينعقد إلا برواية نص عن مائة ألف صحابي مات عنهم النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا تخريف لم يقل به أحد قبل الناظم لأن الظاهرية يكتفون باتفاق فقهاء الصحابة إلا أنهم يكثرون عدد الفقهاء منهم ويبلغون عددهم إلى نحو مائة وخمسين صحابيا على خلاف الواقع - ثم يناقض نفسه فيقول في إعلام الموقعين ( 3 - 379 ) : ( إن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أو لا يشتهر ، فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء أنه إجماع وحجة وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع ، وقالت شرذمة من المتكلمين ( من أتباع النظام ) وبعض الفقهاء المتأخرين لا يكون إجماعا ولا حجة ، وإن لم يشتهر قوله أو لم يعلم هل اشتهر أم لا ؟ فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا فالذي عليه جمهور الأمة أنه حجة ، هذا قول جمهور الحنفية ، صرح به محمد بن الحسن وذكر عن أبي حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه ، وتصرفه في موطئه دليل عليه وهو قول إسحاق بن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به ، وأما الجديد فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدا ا ه‍ ) . ثم ذكر وجه النظر . وهذا القول هو الصواب لكن الناظم يناقض هذا حينما يؤول كلام أحمد المذكور على خلاف تأويل الجمهور في ( 1 - 33 ) من إعلام الموقعين وعند ما يشذ عن الجماعة في مسائل كالطلاق ونحوه في كثير من كتبه ويهون أمر الإجماع بل ينكره ويتابعه الجهلة الأغرار من أبناء الزمن وفي ذلك عبرة بالغة نلفت إليها أنظار المنصفين والحق أن الناظم ليس له أصل يبني عليه وإنما يلبس لكل ساعة لبوسها كما هو شأن أصحاب الأهواء والله ولي الهداية . والحق أن تكذيب أحمد لمن يدعي الإجماع على تقدير ثبوته عنه لا بد من حمله على ادعاء من لم يتأهل لنقل الإجماع في مسألة وإلا لتناقض كلامه وعمله .